المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مجموعة قصصية " امرأةٌ و فارس " بقلم / نور الدين محمد


الفارس الأبيض
11-29-2007, 03:09 PM
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]



الموجة و الصخرة و الحب



تأملتُ الموجة و هي تأتي من بعيد، تصطدم بتلك الصخرة الكبيرة، تتفتت تتناثر، ترتفع قطرات الزرقة إلى الأعلى لتراقص هذه النسمات الشتوية، و تتحول في عيني إلى وجوه الآلاف النساء، ابحث عن وجهكِ بينهن، فلا أجده ، و أتساءل،،، هل تاهت ملامحه عن عيني أم أنني لم أعد قادراً على الرؤية الصحيحة، حتى في قلب هذا الصباح الصافي.
كنت أعرف أنني سأقابلها بعد دقائق و لذا أحببت أن أكون الآن هنا، في نفس المكان الذي شهد معظم اللقاءات، أحببت أن أكون هنا حتى استمد الحقيقة من هذا الصفاء، فربما تخبرني الموجة أو الصخرة الكبيرة بحقيقة الأمر، فقد شهدا معي أجمل السنوات، و لكني ما وجدت سوى الصمت، قبل أن أجد صديقي و هو يأتي من بعيد و يشير لي بضرورة التحرك .

كان يقود السيارة و لا يتحدث بينما كنت أتحسس دبلة الخطوبة بإصبعي و انظر إلى الطرقات و هي تتوارى خلفنا و أسأل نفسي " هل آن لكل شيء أن يمضي إلى الخلف ؟ "، لا أعرف ... كل ما أعرفه الآن هو أنني على موعد معها بعد دقائق و لن يكون هذا اللقاء عادياً و يكفي أن المكان سيكون السجن . يا إلهي لقد تصورت أنني قد أقابلها في أي مكان، غير أني لم أتخيل أن يأتي هذا المكان الموحش ليجمعنا.
" يجب أن تعرف أنني بريئة " ... آخر ما سمعته منها عندما قابلتها قبل ثلاثة أشهر بالنيابة، و سألتها عما حدث، و رأت في كلامي شيئاً من الشك، فنطقت بهذه الكلمات و هي ترتجف و دموعها تسابق كلماتها.

" هل هي بريئة " هكذا كنت أقول لنفسي، فالأمور كانت تختلط بعيني دائماً، فقد تواعدنا على اللقاء بالخارج و لكنها اتصلت بي بشكل ٍ مفاجئ لتعتذر دونما إبداء الأسباب، و تقبلت الأمر و جلستُ عدة ساعات بالبيت أتابع التلفاز و غفوت إلى أن جاء رنين الهاتف بالصباح، و سمعت ما لم أتخيل أن أسمعه في يوم ٍِ من الأيام.
توجهت إلى سيارتي و خلف مقودها تذكرت المكالمة التي أخبرتني بأن هناك امرأة قد تم القبض عليها ليلة أمس ضمن شبكة منافية للآداب و هي تريدني أن أكون معها .
وصلت إلى النيابة و لم أصدق ما رأيته، فمن أحببتها، تقف الآن وسط مجموعة من النساء العاهرات الشبه عاريات. نظرتْ إليّ و نظرتُ إليها و تقدمتُ بضع خطوات و أنا لا أعرف ماذا أقول، و أحسب أنها قد رأت في عيني مزيج الشك و الحيرة فتقدمت نحوي ببطء و قالت أنها لم تفكر في الاتصال بأحدٍ سواي، و أخبرتني بأنها لا تعرف حقيقة الأمر، فقد توجهت لحضور عيد ميلاد أحدى صديقاتها و بعد فترة حدث ما حدث و فوجئت بالشرطة تقتحم فيلا هذه الصديقة و تُخرج من غرف النوم العلوية بعض النساء و الرجال، لتجد نفسها هنا الآن.

لم أكن أتحدث بل كنت أسمع كلماتها و أنصت إلى كل حرف و صراع الشك و الحب يتأجج في داخلي و لا أعرف لمن ستكون الغلبة .

حضرت معها الاستجواب بصفتي محامي و اندهشت عندما واجهها رئيس النيابة ببعض الأسئلة القوية التي وقفت أمامها حائرة تذرف الدمع فقط، و بعد ذلك تم حبسها أربعة أيام على ذمة التحقيق.

عدت إلى منزلي و أنا لا أعرف ماذا أفعل، و كل الأسئلة تتقافز أمامي في مجون " لماذا ذهبت إلى صديقتها دون أن تخبرني ؟ "، " لِمَ تعرف مثل هذه الصديقات ؟ " ،" و لِمَ قامت بزيارة هذه الصديقة من قبل ؟"، " و هل يعقل أنها كانت هناك دون أن تعرف بما يحدث من فاحشة ٍ بالدور العلوي ؟" .

أحسستُ أن رأسي سوف تنفجر و أخذت منوماً و حاولت أن أصارع اليقظة و عندما ذهبت للنوم بات الحلم أشد قسوة من الواقع فصحوت منزعجاً، و بدأت الأفكار تلاحقني، و سياط الشك تضرب يقين الحب، و بدأت أسأل نفسي، و لِمَ لا تكون هكذا بالفعل و تتظاهر أمامي بالشرف؟، ألم تسمح لنفسها بالخروج معي و نحن لم نتزوج بعد؟ ، ألم تسمح ليّ بأن أمسك يدها ؟، و لِمَ انفصلت عن زوجها السابق بعد أقل من سنتين ؟ أليس من الممكن أن يكون قد عرف عنها شيئاً ما ؟ و هل كذبت علي ّ عندما قالت أنها قد انفصلت عنه بسبب معاملته التي لا تطاق من ضرب و إهانة و غيرها ؟ و هل كانت صادقة عندما قالت أنها قد تزوجته نزولاً على رغبة والدها المسن و ساعد على هذا الأمر سفري للخارج في هذه الفترة و عدم وجود عنوان لتراسلني عليه أو رقم هاتف لتخبرني من خلاله ؟ لقد عدت من سفري بعد غياب أربع سنوات فوجدتها قد تزوجت و طُلقت، فما يدريني بحقيقة الأمر ؟.

جلست على الأرض و أمسكت رأسي بعد أن أصابني الألم، و اختلطت كل الألوان بعيني و ظلت صورتها المعلقة على حائط غرفتي تتابع مع صورتها وسط الغانيات بالنيابة.
وصلت سيارة صديقي إلى السجن و مرت لحظات قصيرة دون أن نتحدث و حاولت أن أسأله " لِـمَ قرر أن يتولى قضيتها ؟"، لا يمكن أن يكون السبب هو مهنته كمحام ٍ أو لكونه صديقي، ولن أبحث عن هذا السبب لأنني أعرفه، فهو يحبها منذ أن كنا بالجامعة و مازال يحبها حتى بعد أن تزوج، صحيح أنه لم يصارحني أو يصارحها بذلك لأنه كان يعرف قصة حبنا، و لكني كنت على يقين بحبه لها، و بمجرد أن أخذني الشك و ترددت في أن أدافع عنها، حتى تقدم هو بكل قوة و لم يسألها حتى عن شيء و كان يؤكد على ثقته في براءتها.

نزلنا من السيارة و توجهنا إلى مكتب مأمور السجن و بعد دقائق جاءت بردائها الأبيض، فقد أُدينت عندما نقُلت القضية للمحكمة، و بمجرد أن جاءت حتى خرج كلاً من صديقي و المأمور، و نظرت إليها، تأملت عينين لطالما أنشدت فيهما أجمل أشعاري و تساءلت هل مثل هذه العيون يمكن أن تخدعني.!؟، و قبل أن أجيب سألتني بصوتها الدافئ :
- لِمَ جئت ؟
- جئت أطلب منكِ أن تنتصري لحبنا و أن تقدمي الدليل على براءتكِ.
- لو معي دليل يؤكد براءتي لقدمته على الفور و لكني ضحية مؤامرة محكمة، يجب أن تفهم أنني بريئةٌ يا سيدي و قد قلتها لك قبلاً، و كنت أظن أن الوحيد الذي لن أضطر إلى أن أقول له هذه الكلمة حتى يؤمن بها هو أنت.
وقفتُ بقوة و قلتُ لها بحدة :
- كلامكِ يا سيدتي ليس رسالة سماوية حتى أؤمن به دون شك.

ترقرقت الدموع في عينيها و قالت بصوتٍ حزين :
- يا سيدي، كلامي ليس بحاجة إلى أن يصبح رسالة سماوية حتى تؤمن به، و أنا لست بحاجة إلى أن ارتدى عباءة العذراء مريم حتى تثق بي ّ و لا أنت مضطر إلى أن تصبح نبياً حتى تدرك حقيقة الأمر .

قامت من مجلسها و تركتني قبل أن ينتهي ميعاد اللقاء و تركتْ وراءها قلباً أتعبه الشك و خاصمه اليقين، هو قلبي أنا، و طيلة الفترة التالية كنت قد سقطت ُ في براثن الظن و صرت عبداً له، بينما كان صديقي يدافع عنها بشراسة و كلما حدثته كان يؤكد على ثقته في براءتها و عندما سألته لِمَ ؟ لم يخبرني أبداً، و كنت أقول لنفسي، إن كان هو يحبها فأنا أيضاًَ أحبها، فلِمَ يثق ببراءتها، بينما اهتز يقيني بها ؟ و لم بقي هو بجوارها بينما تخلى عنها الكثير و الكثير و أنا أولهم ؟.



**************************

تذكرت كل هذا الآن، زيارتي للسجن، كلماتها الأخيرة، و ثقة صديقي، و ابتعادي عنها، تذكرت كل هذا الآن و أنا أقف عند نفس المنطقة من الشاطئ أتأمل الموجة و الصخرة الكبيرة، و اسألهما ماذا أفعل ؟ بعد أن ظهرت براءتها بما لا يدع مجالاً للشك بعد شهر واحد من آخر لقاء جمع بيننا، و هو لقاء السجن، انتصرتْ في معركتها ضد الظلم و أتضح أنها كانت ضحية مؤامرة من بعض الأشخاص من بينهم زوجها السابق، انتصرتْ بينما كنت أنا أراقب الشك و هو يرفع رايات النصر على أطلال الحب.

رأيتها تجلس على الصخرة الكبيرة و بدت لي و كأنها ملاكٌ قد جاء لينثر النور و الدفء، فأخذتني خطواتي إليها و لم تنتبه هي إلا عندما قلت :
- كنت أعرف أنني سأجدكِ هنا.
نظرت إليّ و ساد الصمت للحظات قبل أن أقول :
- لقد أتيت إليكِ
ردت بصوت ٍ عميق يقطر حزناً :
- نفس الكلمات قد قلتها لي عندما عدت من سفرك.
تقدمت إليها و مددت يدي و قلت :
- و يومها وجدت يديكِ تمتد إلي ّ، و قد سامحتني على رحيلي.
نظرت إليّ بهدوء دون أن تمد يديها و اختلطت دموعها بكلماتها و قالت :
- سامحتك، لأنني كنت أحبك و مددت يدي لكَ حتى لا تسقط.
نزلت من على الصخرة و تجاوزتني بعدة خطوات ثم توقفت و قالت دون أن تلفت إليّ :
عندما يمد الحبيب يده إلى من يحبه و يطلب منه أن يحتوي كفيه المرتعشين ليسري الدفء في وجدانه، عندما يفعل الحبيب هذا يا سيدي، و لا يجد يد من يحبه، سيسقط و يتحطم و يتحطم معه كل شيء، كل شيء.
تقدمت إليها و أمسكت كتفيها من الخلف برفق و قلت :
- أنا أمد يدي لكِ الآن.
أزاحت يداي برفق و انهمرت دموعها قبل أن تقول :
- أ لم تفهم بعد، لقد تحطم كل شيء، كل شيء.
أحسستُ أن صوت دموعها يعزف نغماً حزيناً لم أسمعه من قبل، نغماً تسلل إلى قلبي و راح يحرق كل رايات الشك و يعيد بناء الحب من جديد و لكنه صبغ هذا البناء بلون ٍ حزين قاتم.

تحركت خطواتها لتغادر الشاطئ و قبل أن تختفي عن نظري سألتها بدموعي :
- ماذا كان ينقصني، أرجوك ِأن تخبريني، ماذا كان ينقصني يا أعظم النساء.
و كم هو عجيب أن تتوارى الشمس في نفس لحظة رحيلها و كم هو عجيب أيضاً أن أتخيل صديقي يقف الآن أمامي لأسأله :
- لماذا كنت تثق في براءتها لهذا الحد، ولِمَ دافعت عنها حتى النهاية و أنت لا تعرف الحقيقة ؟ ما الذي كنت تمتلكه و أنا لا أمتلكه .

و وجدت نفسي أعرف إجابة هذا السؤال الآن، فقد عرفتُ الحب بيتاً من الشعر، أو بضعة أسطر في قصة أو ربما كلمة حانية وسط نغم كلاسيكي، و ربما بعض الورود الحمراء التي ترتمي بشذاها بين صفحات كتاب قديم، دون أن أدرك أن الحب أعمق من كل هذا، و لذلك سرت في ركب الشك بينما مد صديقي يده لها و أحتوى كفيها المرتعشين الخائفين الباحثين عن مأوى، فعل هذا و هو يعرف أنها لم تكن و لن تكون في يوم ٍ من الأيام له، و عندها أدركتُ أن الكثير يمكنه التحدث عن الحب، و لكن القليل هو من يحب فعلاُ حتى لو لم يتحدث إطلاقاً.

تأملت الموجة و هي تأتي من بعيد، تصطدم بتلك الصخرة الكبيرة، تتفتت تتناثر، ترتفع قطرات الزرقة إلى الأعلى لتراقص هذه النسمات الشتوية و تتحول في عيني إلى وجوه الآلاف النساء، كلهن أنتِ، نعم كلهن أنتِ ، رأيت ملامحكِ يا سيدتي، رأيتها طاهرة، أطهر من أن يدركها شخصٌ مثلي، رأيتها رغم فرار الشمس تاركة وراءها غروباً لا يساعد على الرؤية و لكني رأيتها بوضوح، لأنني فقط عرفت ما كان ينقصني و إن كنت قد عرفته متأخراً جدا .




تمـــــــــــــــــت

الفارس الأبيض
11-29-2007, 03:13 PM
زيارة المسؤول الـ ( V-I-P ) للمدرسة



كانت الأمور تختلف تماما في صباح هذا الحي الشعبي، فقد بدت الشوارع واسعة نظيفة مزينة بالشجر الأخضر و الأحمر ( لا تسألوا عن الشجر الأحمر ) بينما كانت أضواء عواميد الإنارة تعلن عن نفسها و هي التي غابت طيلة السنوات الماضية و كيف تظهر أساساً و لم تكن هناك عواميد إنارة من الأساس. بينما اصطف الضباط بملابسهم البيضاء في محاولة لمنع أي بائع جائل أو غير جائل من أن يأخذ مكانه في ساحة الحي الشعبي لذا لم يكن من المدهش أن يلزم معظم السكان بيوتهم .

داخل المدرسة الوحيدة بهذا الحي الشعبي كانت الأمور تجري على قدمٍ و ساق و ربما ذراع و بعض الأصابع، و يبدو أن مكان هذا الحدث الجلل سيكون في هذه المدرسة العتيقة التي يعود تاريخ بنائها إلى سنواتٍ طويلة للغاية، و هي المدرسة التي يديرها هذا الرجل الممتلئ الجسم القصير القامة ( هذا هو الوصف المعتاد لكل هذه الشخصيات، حسناً سأجعله طويل القامة نحيف الجسم ) .

تحرك مدير المدرسة و المسمى الأستاذ عبد الشكور بعصبية شديدة تنم عن توتره الغير عادي و أخذ يصرخ مطالبا بأن يأتي الأستاذ مرقص أستاذ اللغة الإنجليزية و بعد أقل من خمس دقائق جاء مرقص و هو يتصبب عرقا رغم أن الجو معتدل و قال :
- صباح الخير يا باشا .
- منين خير يا مرقص، خلاص الناس في طريقهم لهنا و العيال إياهم ما وصلوش .
- العيال وصلوا يا باشا و المسيح وصلوا .
اندفع الأستاذ عبد الشكور نحو مرقص بفرح و قال له و هو يمسك كتفيه :
- طيب دخَّلهم .
خرج مرقص من الغرفة و بعد دقيقة دخل و معه مجموعة من الشباب و ما أن رآهم عبد الشكور حتى تحول لون وجهه إلى الأحمر و بدا و كأنه على وشك الانفجار و بغيظٍ مكتومٍ توجه نحو مرقص و سحبه من ذراعه نحو ركنٍ من أركان الغرفة و قال له :
- مرقص .. العيال دي جبتهم منين .
- من المدرسة الإمريكية يا ريس .
- امريكية يا جاهل .. دول عيال هيقفوا قدام المسؤول الأمريكي و كأنهم عيال مدرسة شعبية .. أنت عبيط يا مرقص .
- يا باشا ما أنت اللي قلت لرئيس الحي عايزين عيال يشرَّفونا .
- ايوه عيال مدرسة خاصة يبقوا نص نص ... لكن دول حرام عليك .. دول عيال نضاف أوي .. و بعدين الواد الطويل أوي ده، لابس سلسلة دهب أتقل من كل دهب مراتي .. و الواد القصيَّر حالق شعره زلبطة و كاتب برتيني .. بذمتك نقول للراجل ايه ... نقول للراجل ايه يا مرقص ..
- يا باشا العملية سهلة جداً .. نقول للواد الطويل يقلع السلسة و للقصير يلبس برنيطة و كأنه متعور أو عنده قراع .
- طيب و دول شكلهم بيتكلموا انجليزي جامد أوي ..
- دول طحن يا باشا .
- ربنا يطحنك يا مرقص .. يا مرقص أنا عايز عيال نص نص برضه في الإنجليزي، الراجل مش هيصدق الكلام ده .
- ما تقلقش يا باشا هفهمهم كل حاجة .
أشار له عبد الشكور بالتحرك و ما أن خرج مرقص و الطلبة حتى دخلت الأستاذة فادية أستاذة اللغة العربية و قالت بعصبية شديدة و بصوتٍ صارم :
- أستاذ عبد الشكور .. اللي بيحصل ده اسمه نصب ..
رد عليها عبد الشكور مبتسما محاولا تخفيف شدتها :
- ما ينفعش يبقى كسر أو ضم ..
لكنه صمت بعد أن أزداد تجهم وجه فادية فجلس على المقعد و قال بهدوء مصطنع :
- احم احم طيب ... خير بقى يا فادية
- إزاي يا ريس، الولاد بتوعنا مش هما اللي هيقابلوا المسؤول المهم .
قام عبد الشكور من مقعده و قال بتعجب شديد :
- فادية أنت عايزه عيال مدرسة الأمل الفريد يقابلوا المسؤول الأمريكي .
- هما مش الطلبة بتوعنا .
- ايوه بس دول يفضحونا و ممكن الراجل يطالب بمنع معونات المنظمة عن مدارس مصر، ده ممكن يتنقله انفلونزا الطيور منهم .
- بس دول ولادنا سواء رضينا أو لم نرضى .
- يعني و ولاد المدرسة الأمريكية ولاد من نيجيريا و لا بتسوانا ما هم مصريين برضه يا فادية .
- يا ريس دول ما يعرفوش حاجة عن مصر، ده أنا بسأل واحد فيهم قريت حاجة لأحمد شوقي ، قالي أنا ما أعرفوش بس أعرف أخوه محمد شوقي بيلعب في الأهلي، و التاني بقوله ايه الحدث اللي شد مصر سنة 1988 و شرَّفنا كلنا، قالي فوز هولندا بكأس الأمم الأوروبية .
- فادية فادية ... و التانيين يعني اللي عدلين ... هتلاقيهم لا يعرفوا شوقي الشاعر و لا شوقي اللاعب .
- ايوه يا ريس أنا معاك، بس إحنا منهم و هما منا و كفاية إنهم بيتكلموا عربي ده التانيين بالكاد بيتكلموا عربي ده ......
قاطعها عبد الشكور قائلاً :
- فادية الموضوع خرج من ايدينا ده شغل كبير و إحنا بننفذ بس، و أرجوكي روحي شوفي شغلك و سبيني لشغلي .
خرجت فادية غاضبة للغاية و لكنها لم تملك أن تفعل شيئاً في حين ظهر الضيق على وجه عبد الشكور فهو يعرف عِند هذه المدرسة و يخشى أن تتسبب في مشكلة و لكن ما باليد حيلة و في نفس اللحظة رن الهاتف و ما أن رفع السماعة حتى تنهد بقوة و قال :
- كله جاهز.

على مسافة مائتي متر كانت هناك سيارة سوداء عليها علامة المنظمة العالمية لحقوق التعليم قبل الجامعي في دول العالم الثالث ( لا توجد منظمة أساساً بهذا الاسم ) و تتبعها سيارة سوداء ضخمة للغاية مليئة برجال حرس يبدو من هيئتهم أنهم أجانب و من الجانبيين كانت هناك عدة سيارات للشرطة المصرية، و كان هذا الموكب يتوجه نحو المدرسة و هذه الزيارة تأتي في إطار حملة عالمية من المنظمة لرفع مستوى التعليم في دول العالم الثالث، و قد جاءت هذه المدرسة ضمن مجموعة من مدراس الجمهورية لكي تأخذ معونات لمساعدتها في تحسين خدمات التعليم لديها .
و بعد أقل من دقيقتين كان مستر مايكل اس بولاند مدير المنظمة للشرق الأقصى يقف و بجواره مدام هالة صاحبة البشرة السمراء و رئيسة الوفد المرافق للمسؤول الأمريكي و رئيسة جمعية توثيق العلاقات التعليمية بين مصر و أمريكا ( أيضا لا يوجد شيء بهذا الاسم )، و بهدوء توجها نحو المدرسة و من حولهما العديد من الشخصيات المهمة و طبعا الحرس،واتجهوا نحو طاقم المدرسين و وضح أن مستر مايكل لا يستمع إلا إلى مدام هالة التي تترجم له ما يقوله الجميع .

كانت الخطة المدرسية تقوم على أن يتجه هذا الوفد نحو الفصل الأخير من الدور الثاني و هو الفصل الذي يجمع كل المتناقضات، طلبة المدرسة الإمريكية و الطلبة الشعبيين، حتى يبدو الأمر و كأن المدرسة تجاهد و لكنها تريد المعونات لأن المنظمة لم تكن لتمنح أي مدرسة معونات طالما أنها سيئة جدا أو قوية جدا لذا كان التخطيط جيداً و لكن حدث ما لا يحمد عقباه ...!!!

بمجرد أن توجه الجميع نحو السلم الصغير الذي يؤدي إلى الفصل المراد أولا، سقطت لوحة كبيرة على مدخل السلم و تسببت في كسر ماسورة المياه فأصبح لزاما على الجميع أن يستخدموا السلم الآخر .

حسنا ما المشكلة في استخدام السلم الآخر؟؟ ببساطة شديدة السلم الأخر يؤدي إلى بداية الدور الثاني و سيضطرون إلى أن يمروا بكل الفصول في رحلة الفصل الهدف .
لو رأى أحدكم وجه عبد الشكور و بقية المخططين لأصيب بنوبة ضحك هستيرية، و لكن ما باليد حيلة و بدأت الرحلة و مر الفصل الأول و الثاني و الثالث و الرابع و لم يتبق سوى فصلين فقط و لكن سقط باب الفصل الخامس ليس بفعل قنبلة و لكن بسبب رغبة الطلبة في أن يروا من بين شقوق الباب هذا الوفد الهام .

توقف الجميع للحظات و هم يتأملون هذا الموقف العجيب و قام بعض المدرسين بإرجاع الطلبة إلى أماكنهم، و ظهرت بسمة على وجه مستر مايكل و قد قرر أن يدخل هذا الفصل، فما المانع ؟؟.
على غير المخطط تماما كان هذا الفصل الذي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يحقق هدف عبد الشكور و يكفي أن من بين طلبته مصطفى الذي وقف مشدودا في مكانه و هو يقول لزميله :
- واد يا أحمد مش ده الأستاذ جورج بوش و الأبلة السودا دي تبقى ليزا .
- بس يا مصطفى .
لمحت رئيسة الوفد المرافق مصطفى و هو يتحدث فقالت له :
- فيه حاجة .
نظر إليها مصطفى و قال :
- حضرتك بتسأليني .
- أيوه قوم و قول عايز تسأل في ايه ؟
قام مصطفى و هو ينظر حوله يمينا و يسارا و قال بتلعثم شديد :
- أسال مين ؟
- مستر مايكل .. تحب تسأله تقوله ايه ..
- أصل الصراحة يا أبلة أنا لسه ماذاكرتش درس الباستر برتسبول و بعدين الكلمات بتاعة الأستاذ منير في درس مجموعة الجامع لسه يعني ما حفظتهاش و كده ..
ابتسمت رئيسة الوفد و قالت :
- طيب أنا ممكن أترجم أي شيء عايز تقوله
و بعد ثوانٍ قليلة من حديث بينها و بين مستر مايكل التفت إلى مصطفى و قالت له :
- اسمك ايه و يا ترى ايه رأيك في المدرسة ؟؟
- أنا مصطفى و المدرسة كويسة أوي و بتعلمنا عربي و كيميا و فيزيا و كمان إحياء و الله .

الفارس الأبيض
11-29-2007, 03:14 PM
لمح مصطفى الأستاذ عبد الشكور يقف من بعيد و يشير له بطريقة توحي بأن يغير كلامه فمثل هذا الكلام ربما يجعل مايكل يعتقد أن المدرسة لا تعاني من مشاكل فقال مصطفى بسرعة :
- لأ حضرتك أنا اسمي وائل و المدرسة وحشة أوي و ما فيش تعليم و ما عندناش مدرس فيزيا و بيدرسولنا في الأحياء أن الست بتولد بعد 13 شهر ..
رغم علامات الاندهاش التي ظهرت على وجه رئيسة الوفد لكنها ترجمت ما قاله مصطفى لمستر مايكل ثم التفت إلى مصطفى مرة أخرى و قالت :
- يا ترى يا مصطفى المدرسة بتهتم بالألعاب .
حاول مصطفى أن يرى وجه الأستاذ عبد الشكور ليعرف ماذا يقول و لكن الحرس حجبوا الرؤية عنه فلم يملك سوى أن يرد و أمره لله فقال بعد أن قرر أن يمسك العصا من الوسط:
- آه ... أيوه ... المدرسة بتهتم بالألعاب حضرتك بس يعني الحوش بتاعنا مليان مباني، بس الجدول برضه مليان حصص ألعاب الصراحة.
- أنت بتلعب ايه يا مصطفى .
- أنا بلعب حضرتك طاولة عادة و محبوسة .
- طاولة !!؟؟؟ يعني ايه طاولة .
أخيرا ظهر الأستاذ عبد الشكور و هو يرمق مصطفى بنظرات صامتة صارمة فقال الأخير بسرعة :
- تنس طاولة حضرتك و بعدين بصطاد برضه و كده .
قالت رئيسة الوفد بتعجب :
- بتصطاد في المدرسة ..!!!
- لأ أنا قصدي بصطاد سمك من النيل بحب الصيد الصراحة و العوم برضه و كده .
- هايل .
أثناء ترجمة رئيسة الوفد لمستر مايكل ما دار بينها و بين مصطفى كان الأخير يحاول أن يفهم من وجه عبد الشكور ما الأمر و لكنه لم يستطلع شيئا إلى أن عادت رئيسة الوفد للحديث مع مصطفى و قالت :
- عمرك ما رحت عند راس محمد ؟
قال مصطفى بتعجب :
- و لا مؤاخذة هروح عند راسه ليه .. هحلقله مثلاً ..
مسحت جبهتها بكفها و زفرت بضيق و قالت :
- أنت بتمارس الصيد و ألعاب الماء فين؟
- في الميَّه
كادت أن تصرخ و لكنها تمالكت نفسها بصعوبة و قالت و هي تجز على أسنانها :
- أكيد في المية أقصد النادي أو المنطقة كده يعني ؟
- لأ حضرِتِك أنا بعوم في النيل ..
- أوكي أوكي .. مستر مايكل كان عايز يسألك شوية أسئلة ثقافية ؟
رد و هو يهز رأسه و يغمز بعينه اليسرى :
- أيوه كده ما أحلى الثقافة الأمريكاني ... ده أنا هجاوب و باستفاضة ..
- طيب اسكت لحد ما أعرف عايز يقول ايه ؟
ما هي إلا دقيقة حتى استدارت صوب مصطفى و قالت له :
- هو عايز يعرف منك وجهة نظرك حول التأثيرات التي أحدثتها الشيوعية منذ قيام الثورة البلشفية و حتى نهاية الثمانينات ؟
اتسعت حدقتا مصطفى و قال بتلعثم :
- ثورة مين حضرتك .
- الثورة البلشفية اللي قام بيها البلاشفة ..
- دي غير ثورة الأستاذ عبد الناصر ... لأ اصل يعني بصراحة و من غير كتر كلام يعني أنا الدش عندي بايظ و القنوات مقفولة قفلة طين و الواد كيمو واعدني يجبلي سوفتات و حاجات كده يعني .. فيعني ربنا يكرم و أول ما يجيب الحاجات هتابع و أعرف بقى أخبار الموضوع ده ...
- أنت ما تعرفش ماركس و لا لينين و لا ستالين، معقولة دي .
- و الله لو هما قالوا إنهم يعرفوني يبقى جايز .. بس أنا مش واخد بالي يعني ..
- أنت بتقرا ايه اليومين دول يا مصطفى ؟
- الفصل الرابع في الأحياء بس الصراحة مش فاهمه ..
- أقصد بتقرا لمين من الكتاب الحاليين ؟ توماس فريدمان في السياسة ، هارولد بنيتر في الأدب، مايكل كيميلمان في الفن ..
- م م م مين ؟؟؟ لأ أنا موضوع القراءة ده مش في بالي الصراحة يعني أنا هواياتي عوم و كده يعني بس يعني أحيانا بقرا للأستاذ أنيس منصور الله يرحمه و للأستاذ نجيب محفوظ ربنا يديله طولة العمر،، و كده ..
استدارت رئيسة الوفد صوب مايكل و تحدثا بالإنجليزية للحظات قصيرة و لكنها كانت كافية لأن يميل مصطفى على أحمد و يسأله :
- واد يا أحمد هو لينين ده حاجة جامدة و لا ايه ؟ و بعدين شيخ الجامع عمره ماجاب سيرته ليه ؟
لم يرد أحمد و وضع يده على فمه ليمنع ضحكة كادت أن تنطلق منه و أنقذ الموقف سؤال رئيسة الوفد لمصطفى :
- آخر سؤال بقى يا مصطفى .. مستر مايكل عايز يعرف مدى الترابط بين المسلمين و المسيحين في مصر ؟
- إحنا زي الفل و الله و أنا ليا واحد جاري مسيحي اسمه بطرس و راجل زي العسل و الله .
- هايل يعني أنت شايف إن مافيش مشاكل ..
- و ايه اللي هيجيب مشاكل بيني و بين بطرس و لا مؤاخذة ..
تنهدت بعمق و قالت :
- يا بني أفهمني أقصد مشاكل بين المسلمين و المسيحين ؟ و خصوصا بعد أحداث الإسكندرية ؟ التقارير الواردة بتقول أن الفتنة الطائفية على وشك التفجر في مصر ؟
- لأ سيادتك مين اللي تنفجر دي هيَّ أنبوبة بوتاجاز و لا ايه، لأ اطمَّـني، ما حدش هيفرقع
- أيوه بس منظمات حقوق الأقليات بتقول إن المسيحين في مصر مقهورين .
- ليه سيادتك يعني، بنخليهم يحتفلوا بعيد القيامة في الجامع، و لا بنطلع نرفع آذان المغرب من برج الكنيسة، و بعدين منظمات الأقليات دي مالهم و مالنا ما يروحوا يشوفولهم شغلة بدل ما هم فاضيين للكلام الفارغ ده.
التفت رئيسة الوفد و دار بينها و بين مستر مايكل حوار قصير و بعده التفت إلى مصطفى و قالت له :
- آخر شيء بقى كلمة تحب توجهها إلى المنظمة العالمية لرعاية حقوق التعليم قبل الجامعي في دول العالم الثالث تقول فيها طلباتكم .
نظر مصطفى إلى عبد الشكور محاولا أن يفهم من ملامح وجهه أي شيء فوجد علامات غضب شديدة على وجهه فقال مسرعا :
- إحنا ما لناش طلبات خالص خالص، و أمورنا كويسة و حياتنا ...
قطع كلامه عندما وجد ملامح التعجب و الاستنكار على وجه عبد الشكور فقال مسرعا :
- و حياتنا سيئة جدا و محتاجين أي شيء منهم، اللي يجودوا بيه علينا، لأننا ....
قطع كلامه مرة أخرى عندما لمح ملامح الغضب على وجه عبد الشكور فقال مستدركا :
- لأننا بكرامتنا و لا مؤاخذة، نشحت آه بس بكرامتنا.
- طيب يا مصطفى أنا بشكرك جدا و يارب يبقى لينا لقاء العام القادم .
- شكرا و بلغي شكري للكل بس افتكر مش هيبقى لينا لقاء العام القادم .
اتسعت حدقتا رئيسة الوفد و تقدمت خطوتين نحو مصطفى و قالت بمكرٍ شديد :
- ليه يا مصطفى خايف يحصلك شيء بعد كلامك معانا هل مسيرة الديمقراطية فيها مشاكل ؟ ها رد بسرعة ؟
ابتسم مصطفى بهدوء و قال :
- ببساطة حضرتك السنة الجاية أنا هروح الكلية.
- احم .. طيب سلام بقا يا مصطفى .
بعد اقل من ربع ساعة غادر مستر مايكل و الوفد المرافق معه المدرسة في حين توجه الأستاذ عبد الشكور و معه كتبية المخططين في غضبٍ هادر نحو فصل مصطفى و ما أن دخلوا الفصل حتى ارتفع صوت عبد الشكور و قال بجنون :
- تعالى با ابن ( ........ تخيلوا الشتيمة اللي تحبوها ) أنت ودتنا في داهية و حياة أبوك لأعلقك من قفاك زي الدبيحة و ....
لكن صوتا صارما قويا قاسيا جاء من الخلف و هو يقول :
- أستاذ عبد الشكور ...
توقف عبد الشكور فجأة و التفت إلى مصدر الصوت و الذي لم يكن سوى حنجرة الأستاذة فادية أستاذة اللغة العربية التي قالت :
- حضرتك كنت ناوي تعمل شيء
نظر عبد الشكور إلى مصطفى ثم إلى فادية عدة مرات و لولا ما يعرفه من عند فادية الذي قد يجعلها تلجأ إلى الصحافة و الإعلام لذا فقد لزم الصمت و غادر الفصل و هو يتمم بكلمات غاضبة للغاية في حين اتجهت فادية نحو مصطفى فقال لها الأخير و صوته يملؤه الرعب :
- هو أنا عكيت الدنيا يا ابلة فادية و لا ايه
نظرت إليه فادية و ابتسمت ابتسامة عريضة لم تلبث أن تحولت إلى ضحكة قصيرة قالت بعدها :
- لا يا مصطفى أنت ما عكتش الدنيا بس نقطة واحدة بس عايزة اقولهالك نجيب محفوظ هو اللي الله يرحمه و أنيس منصور هو اللي ربنا يديله طولة العمر .
هرش مصطفى في شعره و قال و هو يبتسم :
- و الله يا أبلة عارف بس أنا حسيت إن الولية دي بتنقل كلامي بالمعكوس فقلت أعكس المعكوس يطلع مظبوط ..
ارتفعت ضحكة فادية و شاركها الضحك بعض الطلبة الذين التفوا حولها بينما كان عبد الشكور و كتبية المخططين في المكتب ينفجرون من الغيظ ....


تمــــــــــــــت

الفارس الأبيض
11-29-2007, 03:17 PM
امرأة ٌ و فارس



دلف إلى داخل المنزل الهادئ، و نظر إلى زوجته في ردائها الوردي القصير و سبح للحظات في ذاك النهير الأزرق الطالل من عينيها الجمليتين، قبل أن يلفه شعرها الذهبي الطويل و هي تحضنه بشوق امرأة ٍ غاب عنها حبيبها منذ سنوات ٍ طوال لا ساعات ٍ قليلة، وتنسج على شفتيه قبلة ما عرفتها شفاه الأحبة ِ من قبل، و ترقص بأناملها الرقيقة بين خصلات شعره الأسود مع نسيم العطر الباريسي العتيق الذي يملأ المكان.

هكذا كانت – امرأة الليالي الحسان، و ما كان لحسنها هذه الليلة من مفر، فحتى خطواتها ، همسها، صمتها، كل شيء قد جاء من أجل دعوة هذا الفارس إلى ليلة حب، و لكن ،،، ما زال الفارس يختلس النظر إلى شيء أبعد من صورة هذه الحسناء،،، شيءٌ ... يكمن في أعماقها، في عتمة هذا الفيض النوري المبهر من عشق ٍ فريد قد واجهه طيلة خمسة أشهر كاملة.

تراجع ببطء خطوتين إلى الوراء و هم بالحديث، لكنها وضعت يدها على فمه، و أخذته إلى حيث المنضدة الخشبية الدائرية و أضاءت شمعة صغيرة بعد أن أطفأت كل الأنوار.
" يا لجمال هذه المرأة " هكذا همس في صمت ٍ- ففي وسط أشعة الشمعة القليلة و بين نغمات هذه الموسيقى الهادئة، كانت تتلألأ كنجمة ٍ سقطت من عُـقد نجمات ﭽيد السماء، و باتت له وحده.

اقتربت منه، أمسكت يديه، و راحت ترقص معه في هدوء، و هي تنظر إليه، و تتغلغل إلى داخل أعماق فؤاده، و تأسره عند هذا الجمال الأخاذ، و دون أن تعلن الحرب عليه، و دون أن تغزو أسوار قلاعه، باتت تأسره كلما أرادت، و تعتقه كلما أرادت، تقربه، و تبعده، تطمئنه و تقلقه .

توقفت عن الرقص و أخذته إلى حيث الطاولة الخشبية و جلسا من أجل الطعام، وتحدثا بالنظرات و دون أن ينطقا بكلمة ٍ واحدة :

- ألم يحن الوقت بعد كي أعرف الحقيقة ؟ .
- أنك لا تبحث عن الحقيقة، بل تبحث عن كبريائك و تخشى من لحظة صدق.
- لم يعد بمقدوري التحمل و ليس بمقدوري أيضاً أن أقف أمامكِ و أعلن عن خطيئتي و أنتظر ما تنزليه من عقاب ٍ .
- أما أن تعترف، و أما أن تظل رهينة الحيرة.
- لو تصرخين في وجهي، لو تعلنين ثورتك، لكان هذا أيسر من هذا الصمت الثائر.
- لن أعلن ثورتي لكِ، برغم ما يجتاح القلب من إعصار.
- أنتِ لا تدرين كيف هي عالية دقات الألم بقلبي.
- الألم، دعني أنا أحدثك عنه.

نظرت إليه و نظر إليها، و قامت بهدوء و أضاءت الأنوار، و تأملها ثانية، و راح بنظره يتأمل هذا الإيشارب الأبيض الذي يلتف حول رقبتها و يتدلى بطرفيه الشفافيين على ظهرها.

" لو تخبريني بحقيقة هذا الشيء " قال لنفسه - و هو يقوم من مجلسه و نظراته تلاحق تلك القطعة البيضاء، أنها السر الذي ينتظر التفسير كي يعيد الفارس خارطة حياته.
اقتربت منه و تطاير الإيشارب الأبيض على نسمة هواء تسللت عبر الشرفة، و بدا و كأنه طيرٌ قد جاء من بعيد، في تلك الرحلة الطويلة، ليحط على عشه الصغير، و كلما اقتربت منه تراجع إلى الوراء، إلى أن دخل غرفته من أجل أن يُبدل ملابسه.
رمقته بنظراتها و تأملت قسمات وجهه الحائرة، و تحسست هذا الإيشارب الأبيض، و ذهبت صوب الشرفة و نظرت إلى القمر الجالس في موكبه الليلي . نفس القمر و في مثل هذه الليلة الهادئة و عند نفس هذه الشرفة و خلف نفس الستائر الزرقاء و من خمسة أشهر، كانت تنتظر زوجها الذي سيعود من رحلة عمل صغيرة امتدت لأسبوعين، كانت خلالهما تسمع من صديقة لها أن الزوج قد تعرف على امرأة ٍ أخرى، و هو يسافر بصحبتها، لكنها أبداً لم تصدق أن هذا الفارس كما كانت تحب دوماً أن تناديه، يمكن أن يخونها أو أن يتخذ لنفسه عشيقة، لقد رأته دوماً يوتوبيا لم تعرف الأساطير مثلها.
لم تنس تلك الدقات الهادئة التي سمعتها في تلك الليلة الباردة على الباب، جرت مسرعة و هي لا تصدق أنها قد غفلت عن رؤية فارسها و هو يدخل إلى العقار. فتحت الباب و تأملت الشخص الواقف أمامها، كانت امرأة ذات ملامح جميلة ترتدي ثوباً عارياً أسود اللون و يفوح منها عطرٌ ذكياً و تضع على كتفيها العاريين إيشارباً أبيضاً شفافاً .
دخلت المرأة و هي تتأمل الشقة و حتى قبل أن تنتظر رد صاحبتها، و قبل أن تتحدث الزوجة،بدأت المرأة بالحديث وهي تجلس على المقعد الخشبي الهزاز .

أخبرتها بأنها عشيقة الزوج و هي ترافقه منذ شهرين و سافرت معه عدة مرات، و عندما لم تتقبل الزوجة هذا الأمر، قدمت العشيقة بعض الصور و التي تظهر فيها بصحبة الزوج على شاطئ البحر, كما قدمت أيضاً بعض الوريقات بخط يد الزوج و التي تمتلئ بعبارات الغرام، و لأنها مثل كل الغانيات اللواتي لا يجدن حرجاً في أن يتحدثن عن كل شيء، فقد أخبرتها عن أدق تفاصيل علاقتها بالزوج و ماذا كانت تفعل له، و كيف جعلته أسيراً عند قدميها و كم مرة رقصت له بهذا الإيشارب الأبيض.

كانت الزوجة لا تصدق ما تراه، و لا تريد أن تسمع كيف شاركتها امرأة أخرى قلب و جسد زوجها، و كلما زاد الألم في وجهها و تجمعت الدمعات في مقلتيها، كلما زادت العشيقة من حديثها الماجن .

" عرف امرأة أخرى" - هكذا قالت الزوجة و دموعها ترسم على وجهها قصة السنوات الأربع التي قضتها معه،، و صورة الطفل الصغير الذي لم يتجاوز العامين .
هكذا سقط فارسها عند نهود العاهرات، و باتت مدينتها الفاضلة التي نسجتها من زيف طهره، وريقات مشوهة تتقاذفها رياح الحقيقة، الحقيقة – ما هي الحقيقة ؟
تنبهت إلى صوت الباب و هو يُغلق، و وجدت العشيقة و قد رحلت تاركة وراءها، جرحاً عميقاً و ... الإيشارب الأبيض .

ماذا ستفعل ؟ أتعلنها ثورة في وجه الفارس ؟ أم تغفر له خطيئته ؟ أتتركه بعد أن سقط القناع ؟ أم تبقى بجواره ؟
ظلت طيلة ليلة كاملة تبحر بين أمواج الحيرة، و كلما زاد الإبحار وقتاً، زاد الجرح عمقاً، و قررت أن،،
تظل داخل حدوده و تعلنها ثورة سكون و انتفاضة صمت،،
ترسم في عينيه سطر و تُخفي سطر، فتبدو الحقيقة كطيف ٍ مر و خلف ورائه تساؤلات ٍ حيرى،،
تُسكنه خلف كل علامات الاستفهام ؟ و حين يعبر أحداها في شوق الرؤية، يجد أمامه مزيداً من علامات الاستفهام،،
تزرع في نفسه اشتهاء الجسد فيكون القرب، و بالقرب تنزع منه يقين السكينة فيكون البعد.

كانت تريد أن يبحر بين الشك و اليقين، بين المنفى و المرفأ، بين رضوخ الجسد و مكنون القلب ،،، حتى يأتي اليوم الذي يعترف بما فعله و لأنه تعرفه ففد كانت على يقين من أن هذا الاعتراف سيستغرق وقتاً.

و جاء ليل الغد و تزينت كما لم تتزين من قبل، و بدت ثورة الأنوثة الرابضة في طيات الثوب الجميل، و كأنها راقصةٌٌ حسناء تنتظر أذن مولاها كي تحلق بفتنتها في سماء العشق .

و جاء الزوج و تأمل زوجته و هي تجلس بانتظاره على المقعد الهزار، و ذهب إليها و قبلها و تأملته هي في هدوء و تحسست وجهه و فكرت كم مرة لامست عشيقته بشفتيها هذا الوجه.

و بدأت ليلة الهوى، و النغمات تعزف، و بقية من ضوء الشموع تلف رقصة الحبيبين إلى أن رأى الزوج هذا الشيء الملفوف حول عنق زوجته بطرفيه الطويلين على ظهرها .
تراجع إلى الوراء بغتة، و تأمل الإيشارب الأبيض، أنه هو ، فقد اشتراه لعشيقته منذ عدة أسابيع، كيف أتى ؟، لا يمكن أن يكون نسيم البحر قد حمله إلى هنا، و لا يمكن أن تبتاع زوجته نفس الإيشارب و نفس النوع و نفس اللون، أيمكن أن تكون العشيقة قد أتت و أخبرت الزوجة، أيمكن أن تكون قد أرسلته لتنتقم منه بعد أن تركها بلا سبب و رفض أن ينساق وراء مطالبها .

و كيف يمكن أن تكون زوجته قد عرفت شيئاً و تزينت من أجله بهذا الشكل المبهر، كم ود أن يسألها و لكن كيف ؟ أيقول لها من أين اشتريت ِهذه القطعة البيضاء ؟ ستخبره الزوجة بالطبع أنها قد اشترتها من مكان ٍ ما، و ربما تتأكد ظنونها لو أنها كانت فقط تشك بشيء .

اعتذر لها الزوج و ذهب لينام لأنه مرهق، و ظل يفكر طيلة الليل و دون أن يغمض له جفن،أيمكن أن يحدث هذا الأمر ؟ و كيف يتأكد من أنه قد حدث ؟ أنه لن يقف أمامها و هو فارسها ليعترف بخطئه و ينتظر عقابها، و لكنه لن يظل بين الشك و اليقين، و طيلة الأيام التالية، حاول أن يبحث عن تلك المرأة كي يتأكد منها و لكنه لم يجدها أبداً، و حتى لو وجدها ستقول له لا لم أفعل ...

مرت خمسة أشهر كاملة و هو يقبع في سجن الحيرة، و حتى في أمسيات الحب، بدا و كأنه ينفذ واجباً مقدساً، و كل يوم يلتقي بوجهه مع وجه زوجته، كانت التساؤلات بينهما تدور و دون أن يتحدثا، كان يعلم أن بالأمر شيء و لكن ما هو هذا الشيء، كان يدرك أن هذا الفيضان العشقي من زوجته الذي و إن كان يكفي ليدثر قلوب كل الأحبة، فهو حتماً يحمل في طياته سراً، كان حقاً يحبها و يعرف أنه أخطأ، و أنساق وراء نزوة عابرة، كم ود أن يخبرها، و لكنه كان يخشى مما قد تفعله و يخشى على كبرياء الفارس في أعماقه

الفارس الأبيض
11-29-2007, 03:19 PM
مسحت الزوجة دمعة من عينها بعد أن طوت صفحات الذكرى القريبة و تذكرت أنها لم تخبر أحد بهذا الأمر، بل و أخبرت صديقتها بأنها قد تأكدت من أن زوجها لم يعرف امرأة أخرى لأنه أعظم فارس.

أسدلت الستائر الزرقاء و توجهت نحو الأريكة الخشبية الوثيرة و تمددت عليها و أغمضت عينيها للحظات في انتظار قدوم الزوج.

خرج الزوج من غرفته و تأمل الزوجة في ثوبها الوردي وهي مغمضة العينين فبدت و كأنها الأميرة النائمة التي تنتظر أن تمضي قبلة الحبيب على شفاهها، " كم هي رائعة " - ردد تلك العبارة بشوق ٍ كبير.

جلس على المقعد المجاور و هو يتأملها و يتساءل لمَ فعل ذلك ؟ و ما الذي دفعه لأن يخطو في هذا الأمر؟ ما الذي يستحق لكي يُضحي بزوجته التي يعشقها و تعشقه و كذلك ابنه الصغير؟، أسند رأسه إلى الوراء و تنفس بعمق، و بدت رايات الاستسلام تبدو في عينيه بعد رحلة الأشهر الخمسة، و قرر أن يتحمل ثمن ما اقترفه لأنه لم يعد قادراً على الاستمرار.

نظر إلى زوجته و قال بصوت ٍ منخفض :
- حبيبتي.
فتحت زوجته عينيها و تأملت تلك الدمعة الحائرة التي ترتسم في عين زوجها و تابعته و هو يقول :
- هناك شيء أود أن أخبرك ِ به.
نظر إلى الأرض قبل أن يكمل حديثه :
- لقد أخطأت في حق هذا البيت الجميل، و في حقك ِ أنت ِ، و غدوت وحيداً لا أبصر بين الحب و الزيف، بين نقطة الندى التي تهب الوريقات الحياة، و بين نقطة السم التي تقتل نضارتها، و اليوم أقولها لك ِ، لقد عرفت امرأة ً أخري قبل عدة اشهر و لكني قد طردتها من حياتي بعد أن عرفت خطئي و تصورت أن الأمر قد انتهى، بيد أن الأقدار لم ترد ذلك.
تنبه إلى كفيها و هما يحتضنان كفيه و رآها و قد جلست على ركبتيها بجواره لتقول وسط دموعها :
- أعرف ما حدث، و لكن ما لا أعرفه هو لمَ حدث ؟
نظر في عينيها و من بين دموعه قال :
- لا تسأليني، لم َ خنتك ِ ؟ لأنني لا أعرف سبباً .!، ربما أخذني كبريائي إلى ساحة الآثام ِ، فقط ما أعرفه هو أنني ... أحبكِ.
تأمل دموعها و بدت له و كأنها تحمل أطهر معاني الحب قبل أن يواصل حديثه :
- لا أملك عذراً، و ما ستفعلينه سأرضى به، فما عدت استحقك ِ و ما عدت استحق هذا البيت، و لو طلبت ِ مني الرحيل لرحلتُ.
قالت و هي تغالب دموعها:
- نعم،سأطلب منك أن ترحل، لكن ... أن ترحل إلى قلبي و تسكن به.
نظر في أعين زوجته وأخذ كفيها و قبلهما و وضعهما على وجهه و كأنه يريد أن يتلقيا الدمعات التي تفجرت من عينيه، و سمع زوجته و هي تقول بحنان :
- أتعرف أن البكاء الصادق للرجل بين كفيّ حبيبته قد يجعله أسمى من كل أقاصيص البطولات، لا تخشي مني، أردتك فقط أن تعترف حتى تمضي حياتنا بلا كذب ٍ، و برغم ألمي، و برغم جرحي، لن أنثر عبراتك في الأفق ِ و ستظل فارسيّ، طالما بقيّ في القلب نبض.
تأمل عينيها و بدا الدمع على وجهه و كأنه يتساءل " كيف تسامحيني ؟ ".
قبلت كفيه و قالت :
- لأنك وطني أيها الفارس أعشقه مهما قد يُسيء لي.
أخذها بين أحضانه و لأول مرة يشعر بهذا الدفء في داخله، و ترك دموعه كي تمسح تلك الصرخة الكامنة في أعماقه طيلة الأشهر الماضية ، أما هي فلم تنس أن تنزع هذا الإيشارب الأبيض من على عنقها و تلقيه على الأرض بعيداً.



تمــــــــــــــت

elmorsy_2000
11-29-2007, 11:09 PM
أول مشاركاتك في قسم الأدب .. ضخمة خفيفة .. جديدة .. والكاتب بالرغم من إني لم أتشرف بمعرفته إلا انه من الواضح أنه سوف يغدو كاتباً رائعاً .. ربما تندهش من رأيي .. لكني أجد أفضل القصص السابقه هي قصه الزياره إلي المدرسه .. تصزيرها للأحاسيس ومشاعر أبطال المشهد كله واقعيه .. بالرغم من لغتها العايمة الا أنها استطاعت أن توصل إلينا ما ود الكاتب قوله ... شكراً لك مره أخري وسأنتظر بلهف مشاركاتك هذه معي في منتدي الادب والشعر