سهام
11-28-2007, 10:27 PM
بسم الله ارحمن الرحيم
السلام عليكم و رحمة الله وبركاته
من ألصق وأقرب الأشياء للإنسان الدنيا بمفاتنها وملاذها وشدائدها ومحلها. ولفظ الدنيا يؤكد هذه الحقيقة كما يقول علماء اللغة العربية، فهو مؤنث أدنى، وهو اسم تفضيل من الدنوّ أي القرب الذي يقابل البعد.
هذا ما ورد في القرآن الكريم، حيث ذكرت آية الأنفال نزول المسلمين يوم بدر في الجانب الأقرب من الوادي في حين نزل كفار قريش في الجانب الأبعد قال تعالى: ''إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم''. ولا تبتعد هذه الحقيقة عن الواقع المشاهد؛ فلا أحد ينكر قربه الشديد من الحياة الدنيوية التي يعيشها، غير أن مواقف الناس منها قد تبتعد وقد تقترب من موقف الإسلام ونظرته للدنيا ومتاعها. بل إن مواقف الناس تختلف في تفسير نظرة الإسلام من خلال نصوصه. ومن هذا المنطلق، تتبّعنا مواقف الناس من الدنيا ومواقفهم من نظر الإسلام لها قصد الوصول إلى الموقف السليم الذي يجب على المسلم أن يتخذه علما وعملا من متاع الحياة الدنيا بعيدا عن الانحراف والزيغ.
الإنسان روح بلا جسد
ولقد وجدنا صنفا من الناس يرفضون الدنيا بالكلية، يعيشون في زهد متطرف واعتزال ونبذ كامل للحياة وطيباتها من مأكل ومشرب وملبس وزينة وزواج وغيرها.. فالدنيا عندهم جيفة لا تليق بذوي النفوس العالية، حسب زعمهم. وهذه النظرة الرافضة الساخطة على متاع الحياة الدنيا يمثلها البراهمة في الهند والبوذيون في الصين والمانويون في فارس والرواقيون في اليونان والرهبان في النصرانية وبعض المسلمين من غلاة المتصوّفة أو غيرهم ممن يكتفون ببعض آيات القرآن ليبرروا وهمهم كقوله تعالى: ''وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور''. وقوله تعالى: ''تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة''. وقوله: ''إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون''، وغيرها من الآيات التي جاءت في سياق ذم التكالب والتهافت على الحياة الدنيا دون النظر والاهتمام بالحياة الآخرة. وكأني بهؤلاء الناس لا يبصرون ولا يسمعون قوله تعالى: ''قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق...'' وقوله تعالى: ''يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا''... وكأنهم يقولون زورا وبهتانا إن الله أخرج لنا الطيبات ثم حرّمها علينا.. تعالى الله عن هذا العبث علوا كبيرا.
الرسول صلى الله عليه وسلم ينكر الرهبانية
وقد نتج عن هذا التصور للحياة الدنيا مظاهر سيئة قعدت بالإنسان عن السعي والعمل وعمارة الدنيا. فقيّدت العزائم، وانتشر العجز، وتمكّن قوم من الاستئثار بمتاع الحياة الدنيا يسخّرونه لشهواتهم الطاغية. وكيف لا يفعلون وقد تبرّع لهم الزاهدون في الحياة بمعيشتهم؟!
ولعل من الحكمة الإلهية أن وجد في عصر النبي (ص) من الصحابة من تأثّر بأفكار الرهبانية، فحرّم بعضهم على نفسه النوم على الفراش، وبعضهم التزوج من النساء، وبعضهم أكل اللحم، ليوجههم الرسول (ص) إلى النظرة الصحيحة التي ينبغي على أمته من بعده أن تلتزمها. فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ''جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي (ص) يسألون عن عبادة النبي (ص) فلما أخبروا كأنهم تقالّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي (ص) قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فقال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا. وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر. وقال أخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال: ''أنتم الذين قلتم كذا وكذا.. أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوّج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني''.ورغم هذا، قد يتشبّث البعض في عصرنا هذا الذي طغت فيه المادة برفض الدنيا كرد فعل، وقد تتفهّم موقفه من هذه الناحية، لكنه يبقى موقفا خاطئا ناتجا عن ظروف غير طبيعية لا يمكنها أن تعطّل بأي حال من الأحوال مثل قوله تعالى: ''يا أيها الذين آمنوا لا تحرّموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون''.
الإنسان جسد بلا روح
هذا عن النظرة الأولى إلى الدنيا ومتاعها، فإذا ما انتقلنا إلى ناحية أخرى في عالم الناس وجدنا رأيا آخر يعاكس الرأي السابق تماما؛ حيث يجعل أصحاب هذا الرأي من الدنيا صنما يُعبد، عليها يتكالبون وإليها يكدحون ولها يسعون.. لا يعرفون هدفا لوجودهم إلا التمتع بالدنيا والاشتغال بمتاعها والتفرع لشهواتها ولا مكان عندهم للآخرة، شعارهم (إن هي إلا أرحام تدفع وأرض تبلع). وهذا الموقف هو موقف الماديين والدهريين الذين علا صيتهم في عصرنا الذي تبرجت فيه الدنيا وطغت المادة حتى صار قوله تعالى: ''قالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين'' ترجمانا للواقع المنغمس في المادة والمتعة. وهو ما تريده النظرة الشيوعية العقائدية للحياة حيث تنص على (أن لا إله، والحياة مادة).. بلا شك إن هذه النظرة تجعل من الإنسان والحيوان وجهان لعملة واحدة. وإن تعجب لبعض المسلمين الذين ينتصرون لهذه النظرة مستشهدين بقوله تعالى: ''المال والبنون زينة الحياة الدنيا''. متناسين أن الآية الكريمة تقرر طبيعة البشر في حب متاع الحياة وعلى رأسها المال والبنون، كما أن تمام الآية الكريمة يؤكد فهمهم السقيم، لأنها ذكرت ما هو أفضل من متاع الدنيا إذ يقول: ''والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا''.
درجات التكالب على الدنيا في القرآن
وكيف ينسب موقف كهذا للقرآن الكريم وهو ينكر بأساليب متنوعة التكالب والتهافت على الحياة الدنيا مهما اختلفت درجة هذا التكالب؛ ذلك أن الناس يتفاوتون في انغماسهم في متاع الدنيا ما بين مقل ومكثر ومتوسط. فعد بداية التكالب على الدنيا يعاتب الله تعالى العبد بقوله: ''بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى''. فإذا اشتد تكالب الإنسان على الدنيا حكم القرآن الكريم عليها بالمتاع الزائل الذي ينبغي أن لا يغتر به الإنسان على حساب الآخرة كما قال تعالى: ''وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع''. فإذا زادت درجة التكالب كان التهديد القرآني بالحرمان من الآخرة ''... ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب''. ولكن من الناس من يصل بتكالبه إلى درجة الطغيان والغرور، ما يفسر لنا وصف القرآن الكريم للدنيا ومتاعها باللهو واللعب وللمغرورين بها باستحقاق التهوين قال تعالى: ''واعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد''. وقال عز وجل: ''وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا''.
السلام عليكم و رحمة الله وبركاته
من ألصق وأقرب الأشياء للإنسان الدنيا بمفاتنها وملاذها وشدائدها ومحلها. ولفظ الدنيا يؤكد هذه الحقيقة كما يقول علماء اللغة العربية، فهو مؤنث أدنى، وهو اسم تفضيل من الدنوّ أي القرب الذي يقابل البعد.
هذا ما ورد في القرآن الكريم، حيث ذكرت آية الأنفال نزول المسلمين يوم بدر في الجانب الأقرب من الوادي في حين نزل كفار قريش في الجانب الأبعد قال تعالى: ''إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم''. ولا تبتعد هذه الحقيقة عن الواقع المشاهد؛ فلا أحد ينكر قربه الشديد من الحياة الدنيوية التي يعيشها، غير أن مواقف الناس منها قد تبتعد وقد تقترب من موقف الإسلام ونظرته للدنيا ومتاعها. بل إن مواقف الناس تختلف في تفسير نظرة الإسلام من خلال نصوصه. ومن هذا المنطلق، تتبّعنا مواقف الناس من الدنيا ومواقفهم من نظر الإسلام لها قصد الوصول إلى الموقف السليم الذي يجب على المسلم أن يتخذه علما وعملا من متاع الحياة الدنيا بعيدا عن الانحراف والزيغ.
الإنسان روح بلا جسد
ولقد وجدنا صنفا من الناس يرفضون الدنيا بالكلية، يعيشون في زهد متطرف واعتزال ونبذ كامل للحياة وطيباتها من مأكل ومشرب وملبس وزينة وزواج وغيرها.. فالدنيا عندهم جيفة لا تليق بذوي النفوس العالية، حسب زعمهم. وهذه النظرة الرافضة الساخطة على متاع الحياة الدنيا يمثلها البراهمة في الهند والبوذيون في الصين والمانويون في فارس والرواقيون في اليونان والرهبان في النصرانية وبعض المسلمين من غلاة المتصوّفة أو غيرهم ممن يكتفون ببعض آيات القرآن ليبرروا وهمهم كقوله تعالى: ''وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور''. وقوله تعالى: ''تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة''. وقوله: ''إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون''، وغيرها من الآيات التي جاءت في سياق ذم التكالب والتهافت على الحياة الدنيا دون النظر والاهتمام بالحياة الآخرة. وكأني بهؤلاء الناس لا يبصرون ولا يسمعون قوله تعالى: ''قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق...'' وقوله تعالى: ''يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا''... وكأنهم يقولون زورا وبهتانا إن الله أخرج لنا الطيبات ثم حرّمها علينا.. تعالى الله عن هذا العبث علوا كبيرا.
الرسول صلى الله عليه وسلم ينكر الرهبانية
وقد نتج عن هذا التصور للحياة الدنيا مظاهر سيئة قعدت بالإنسان عن السعي والعمل وعمارة الدنيا. فقيّدت العزائم، وانتشر العجز، وتمكّن قوم من الاستئثار بمتاع الحياة الدنيا يسخّرونه لشهواتهم الطاغية. وكيف لا يفعلون وقد تبرّع لهم الزاهدون في الحياة بمعيشتهم؟!
ولعل من الحكمة الإلهية أن وجد في عصر النبي (ص) من الصحابة من تأثّر بأفكار الرهبانية، فحرّم بعضهم على نفسه النوم على الفراش، وبعضهم التزوج من النساء، وبعضهم أكل اللحم، ليوجههم الرسول (ص) إلى النظرة الصحيحة التي ينبغي على أمته من بعده أن تلتزمها. فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ''جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي (ص) يسألون عن عبادة النبي (ص) فلما أخبروا كأنهم تقالّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي (ص) قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فقال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا. وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر. وقال أخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال: ''أنتم الذين قلتم كذا وكذا.. أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوّج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني''.ورغم هذا، قد يتشبّث البعض في عصرنا هذا الذي طغت فيه المادة برفض الدنيا كرد فعل، وقد تتفهّم موقفه من هذه الناحية، لكنه يبقى موقفا خاطئا ناتجا عن ظروف غير طبيعية لا يمكنها أن تعطّل بأي حال من الأحوال مثل قوله تعالى: ''يا أيها الذين آمنوا لا تحرّموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون''.
الإنسان جسد بلا روح
هذا عن النظرة الأولى إلى الدنيا ومتاعها، فإذا ما انتقلنا إلى ناحية أخرى في عالم الناس وجدنا رأيا آخر يعاكس الرأي السابق تماما؛ حيث يجعل أصحاب هذا الرأي من الدنيا صنما يُعبد، عليها يتكالبون وإليها يكدحون ولها يسعون.. لا يعرفون هدفا لوجودهم إلا التمتع بالدنيا والاشتغال بمتاعها والتفرع لشهواتها ولا مكان عندهم للآخرة، شعارهم (إن هي إلا أرحام تدفع وأرض تبلع). وهذا الموقف هو موقف الماديين والدهريين الذين علا صيتهم في عصرنا الذي تبرجت فيه الدنيا وطغت المادة حتى صار قوله تعالى: ''قالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين'' ترجمانا للواقع المنغمس في المادة والمتعة. وهو ما تريده النظرة الشيوعية العقائدية للحياة حيث تنص على (أن لا إله، والحياة مادة).. بلا شك إن هذه النظرة تجعل من الإنسان والحيوان وجهان لعملة واحدة. وإن تعجب لبعض المسلمين الذين ينتصرون لهذه النظرة مستشهدين بقوله تعالى: ''المال والبنون زينة الحياة الدنيا''. متناسين أن الآية الكريمة تقرر طبيعة البشر في حب متاع الحياة وعلى رأسها المال والبنون، كما أن تمام الآية الكريمة يؤكد فهمهم السقيم، لأنها ذكرت ما هو أفضل من متاع الدنيا إذ يقول: ''والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا''.
درجات التكالب على الدنيا في القرآن
وكيف ينسب موقف كهذا للقرآن الكريم وهو ينكر بأساليب متنوعة التكالب والتهافت على الحياة الدنيا مهما اختلفت درجة هذا التكالب؛ ذلك أن الناس يتفاوتون في انغماسهم في متاع الدنيا ما بين مقل ومكثر ومتوسط. فعد بداية التكالب على الدنيا يعاتب الله تعالى العبد بقوله: ''بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى''. فإذا اشتد تكالب الإنسان على الدنيا حكم القرآن الكريم عليها بالمتاع الزائل الذي ينبغي أن لا يغتر به الإنسان على حساب الآخرة كما قال تعالى: ''وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع''. فإذا زادت درجة التكالب كان التهديد القرآني بالحرمان من الآخرة ''... ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب''. ولكن من الناس من يصل بتكالبه إلى درجة الطغيان والغرور، ما يفسر لنا وصف القرآن الكريم للدنيا ومتاعها باللهو واللعب وللمغرورين بها باستحقاق التهوين قال تعالى: ''واعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد''. وقال عز وجل: ''وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا''.